في إحدى ألحوارات هنا حيث كان في كلماتي دعوة لتثبيت حرية ألفرد في إختيار أللباس ألذي يرتديه أو أن لا يرتدي شيئاً كجزء من ألحقوق ألشخصية للإنسان ، داهمني أحد ألزملاء ألمسلمين بألإتهام بأنني أساوي بين ألعري ولبس ألعمائم " ألمقدسة " 
أنقل لكم هذا ألمقال من أحد ألمواقع ألعراقية لنناقش موقع وتأثير ألعمامة في ألدين ألإسلامي ..مدى المخالفة الشرعية في لبس العمامة _ عطاء منهل
الأربعاء 10/01/2007
قبل أن أبدأ بهذا الموضوع الذي أرجو أن يُنظـَر إليه بعين الجدية والموضوعية، بعيدا عن تقديس الماضي، وكذلك بعيدا عن الحساسية المُفرطة تجاه المعممين من جهة، وتجاه الناقدين للمؤسسة الدينية من جهة أخرى.
كما أقدم مقدمة ثانية، ألا هي إني أعتذر من أصحاب الفضل من المعممين؛ أعتذر بشكل خاص من الأتقياء منهم، إذ لا بد لي من أن أحترم تقواهم، ومن العقلاء منهم، إذ لا بد لي من أن أطأطئ رأسي لعقلانيتهم، وأعتذر للمتنورين والمجددين منهم، إذ لا بد لي من أن أنسجم مع روح التنوير وأجلّ نـَفـَس التجديد.
بعد هذه المقدمتين أرجو من القارئ أن يصبر معي، قبل أن أحاول أن أزيل دهشته، أو أشبع فضوله. فإني ومن زاوية فهم شرعية بالدرجة الأولى، وعقلائية بدرجة ثانية، وصلت بحق إلى قناعة، أجد نفسي مطمئنا أن ألقى بها ربي يوم القيامة، بمخالفة لبس العمامة لروح الشريعة، ولسيرة العقلاء التي اتخذها علم أصول الفقه كواحد من ركائزه الأساسية. وسنبحث سوية عن أسباب المخالفة الشرعية المُدَّعاة من قبلي من جرّاء ارتداء ما يسمى بزي العلماء، أو طلبة العلم، أو الرَّوحانيين حسب مصطلح حوزة قم.
أستند في دعواي بمخالفة العِمَّة للشريعة إلى أربعة أدلة أساسية، هي المخالفة لسنة الرسول وأهل بيته (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم)، والمخالفة للسيرة العقلائية بمخالفة ذوق وروح العصر ومجانبة الحكمة، ثم المخالفة من حيث أنها تعبر عن لون من ألوان السلوك الذي يقع في دائرة الرياء كما سيتبين لنا، وأخيرا المخالفة بعدم العمل بحث رسول الله (ص) بوجوب جَبّ الغيبة عن النفس.
1. مخالفة السنة النبوية وسيرة المتقدمين:
الكل يعلم، والخطباء والوعاظ يرددون دائما، عندما يتناولون سيرة رسول الله صلوات الله عليه، بأنه كان يلبس لباس زمانه، ولباس قومه. والاتباع الصحيح للسُّنة كما نعلم هو ليس اتباع شكل السنة، بل روح ومبادئ السنة، فليست القضية أن ندرس في كتب السيرة كيف كان يلبس رسول الله (ص) فنـُفصِّل لأنفسنا نفس اللباس. بل علينا معرفة ما هي الأسس التي قامت عليها طريقة ملبس النبي، فنستخلص من ذلك أنه اعتمد مجموعة مبادئ في الملبس كما في بقية سلوكياته، هذه المبادئ هي النظافة، والبساطة، واجتناب ما يوحي بالتكبر والخيلاء، واجتناب البذخ المبالغ به والإسراف، وحسن الذوق الخاص مع مراعاة الذوق العام، مع مراعاة البيئة والطقس والجانب العملي، وكذلك الوقار والأناقة. ثم هو (ص) قبل وبعد ذلك لبس كما ذكرت بادئ بدء لباس قومه، فلم يستحسن لباس قوم آخرين ويتزيَّ به، كما إنه لبس من لباس قومه لباس الزمان الذي عاش فيه، ولم يستحضر تاريخ جده إسماعيل (ع) ليلبس ما لبسه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. أما هذه العِمَّة والجُبة أو الصاية والعباءة بأشكالها التي يلبسها المعممون، فكل ذلك يمثل لباسا من خارج الزمان، كما يشذ عما يلبسه سائر المجتمع. وهذا يؤدي إلى تـَميُّزهم عن بقية الناس، وهنا تأتي المخالفة الثانية لسنة الرسول (ص)، وهي مخالفة في العمق، لأننا دائما نقول في خطبنا ومواعظنا بأن الرسول لم يكن ليتميز عن غيره من الصحابة، حتى أن القادمين من أطراف الجزيرة ممن لم يكونوا قد رأوا الرسول لم يكن بمقدورهم عند حضورهم مجلسه لأول مرة أن يتعرفوا عليه. فالله كان يؤكد لرسوله الأكرم «قل إن أنا إلا بشر منكم»، وكان صلوات الله عليه كما يصفه القرآن في معرض إنكار القرآن لمن لم يتقبل أن يكون نبي مرسل ممن «يأكل الطعام ويمشي في الأسواق»، ويركب الدابة كأي إنسان آخر في المجتمع. إذن لا معنى من الناحية الدينية أبدا للعمة والجبة، لأنهما ليسا من لباس هذا الزمان، ولأن بهما يتميز ما يُسمّى برجل الدين عن غيره من أبناء المجتمع، بعكس ما كان يفعل النبي (ص) والأئمة الأطهار من أهل بيته (ع) وكذلك أئمة المذاهب والفقهاء المتقدمين رحمهم الله.
2. مخالفة السيرة العقلائية:
السيرة العقلائية ركيزة من ركائز علم أصول الفقه كما نعرف، ونعرف أيضا إن السيرة العقلائية متغيرة من زمان إلى زمان. ولبس العمة وما يرتبط بها من لباس غريب، مخالف للسيرة العقلائية، من حيث أنها لا تنسجم مع ذوق وروح هذا العصر، وبالتالي يكون لبسها مخالفا للحكمة، التي هي ضالـّة المؤمن.
3. المخالفة الشرعية لعلاقتها بالسلوك الريائي:
وهذه هي المخالفة الكبرى من مجموع المخالفات. ولا أتهم بذلك والمعاذ بالله الفقهاء والعلماء وأهل الفضل والخطباء بالرياء من حيث النية والقصد، ولكني أريد أن أنبّه إلى أن لبس العمة من حيث النتيجة، لا من حيث النية، هو لون من ألوان السلوك الذي يقع في خانة الرياء. سيُسأل هنا وكيف يكون ذلك. فأجيب بأن هذا الزيّ كما هو معروف عرفا وكما يُعبَّر عنه غالبا يمثل زيّ التقوى والعلم. إذن إني عندما أضع العمامة فوق رأسي، التي يحلو للبعض أن ينعتها تجنيا بتاج رسول الله، إنما أدعي عندها ضمنا بأني من أهل العلم من جهة، ومن أهل التقوى من جهة أخرى. وواضح إن من يقول للناس - ولو بمظهره - لا بلسانه - ولسان الحال أبلغ من لسان المقال -؛ من يقول عن نفسه بأنه عالم، وبأنه مُتـَقٍّ، يقال عنه بالضرورة إن قوله هذا عن نفسه إنما هو رياء، والرياء كما نعلم هو من المعاصي الشرعية المؤكدة. يكون ذلك مجرد رياء - وكفاه مخافة شرعي - إذا صحت هذه الدعوى عن النفس، ثم هي تعبير عن التكبُّر، والتكبر هو الآخر من أمقت ما يمقته الله سبحانه، أما إذا كانت الدعوى مخالِفة للواقع كما هو الحال مع الأغلبية الساحقة من المعممين، فهو كذب وغش للناس، وما أعظمها من معصيتين. والله يقول في كتابه الحكيم «لا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى»، فكيف يستطيع إنسان أن يتجاوز ويتجرأ على الله ويدعي أنه من أهل العلم، ومن أهل التقوى. تأملوا رجاءً في هذه المفردة جيدا جدا.
4. المخالفة بجلب الغيبة وسوء الظن على الذات:
هنا أتوقف عند ظاهرة ربما لم تكتمل ملامحها بعد، ولكنها بدأت في الظهور، وهي في حالة نموّ مطـِّرد سيتسارع مع الوقت، وقد اتسعت دائرة هذا الوعي في بعض مناطق بلاد المسلمين. ذلك أن عموم العقلاء والواعين والمعتدلين، والكثير من هؤلاء هم من المؤمنين الملتزمين، أصبح لهم من الواضح بأن الحالة الغالبة لواقع المعممين هي سلبية أكثر منها إيجابية، فلهاث الكثير منهم وراء المال، أو وراء الشهرة ووراء المديح الباطل، وشعوذة وخرافية الكثير منهم، وجهل الكثيرين في مجال اختصاصهم، ناهيك عن جهلهم في الثقافة العامة، وغياب الوعي الاجتماعي عند الكثير منهم، وتسييس المُتـَسَيِّسين منهم للدين بما ألحق بالدين وبالمجتمع من الضرر ما هو فادح وخطير، واستعلاء الكثير منهم على الناس باعتبار أنفسهم طبقة متميزة، وتسمية بقية الناس بالعوامّ تقليلا من شأنهم، والترويج للتطرف السياسي أو الغلو الديني، كل هذا سيزيد من الصورة المنفـِّرة للمُعمَّم في المجتمع. ولذا فإن من الواجب أن يلتزم الإنسان بنصيحة رسول الله بقوله (ص) «رحم الله من جبّ الغيبة عن نفسه»، وهذه نصيحة إلى العقلاء والواعين والأتقياء من المعممين، أن عودوا أفرادا عاديين في المجتمع من حيث مظهركم، وليتعرف عليكم الناس بالتعرف على جوهركم ومحتواكم بالخبرة والتجربة والمعايشة، فمن كان منكم ذا علم، سيكتشف الناس علمه بعد حين ليستفيدوا منه، ومن كان ذا تقوى، فيكفيه أن يعلم الله سبحانه وتعالى منه تقواه، فتكون تقواه شفيعته عند ربه «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم».
إنها مسألة تستحق وقفة تأمل ومراجعة بتجرد وموضوعية، لم أنطلق فيها من حساسية مفرطة تـُفقدني والمعاذ بالله موضوعيتي، بل - إن شاء الله ولا أزكي نفسي - من حرص على الدين، وعلى المجتمع، وعلى مستقبل الوطن والإنسانية والإسلام، الذي نريده إسلاما مدنيا كما يرى المفكر أحمد القبانجي، لا إسلاما سلفيا متحجرا، ولا إسلاما محافظا متقولبا بقوالب جامدة، ولا إسلاما أصوليا متطرفا، نريده إسلاما إنسانيا عقلائيا ديناميكا، يتحرك بمرونة مع متغيرات العصر، فيما هي عناصره المتغيرة. أقول هذا، وأستغفر لي، وللمعممين وغير المعممين، وللمسلمين، للإسلاميين منهم وللعلمانيين، ولعموم الطيبين والخيرين والإنسانيين، ولكل من آمن بمُثـُل الخير، حتى لو لم يتعرف على بعض مفردات الحقيقة، فيما يمثل الحقيقة عند الله، فيما لا يملك أحد دعوى معرفتها بالمطلق واليقين.
10/01/2007
ataamanhal@yahoo.comلا تستطيع رؤية الروابط
تسجيل او
دخول
"شكرا لك":
*